خربشة على أطراف بشتاشان

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
01/05/2015 06:00 AM
GMT



عملت  مدة عامين محررا في صحيفة "الناس" التي رأس تحريرها الزميل والصديق حميد عبد الله الذي خصص صفحة يومية كاملة بعنوان تاريخ . الحقيقة كانت صفحة تنشر شهادات أشخاص عاشوا أحداثا باعدها الزمن عنا ، ونمتلك عنها معلومات قليلة او غامضة . هذه الصفحة نشرت واحدة من الشهادات المهمة ضمها كتاب السيد قادر رشيد عن مجزرة بشتاشان . بمناسبة ذكرى المجزرة أنشر هنا عمودين كتبتهما ، الاول تقديم للكتاب ، والثاني ختامية له . في الاثنين كنت ادرك بحزن أن ما تبقى لكاتب هو أن لا يشترك بمؤامرة الصمت ، وأن يخلص لنفسه ويواصل الكلام حتى وهو يعرف أن لا أحد يسمع .  أهدي كتابتي الى صديق صباي في المدرسة الشهيد نزار ناجي .. 
        
خربشة على أطراف بشتئاشان !

ليس هدفنا من نشر هذا الكتاب عن بشتئاشان للسيد قادر رشيد (أبو شوان) جلغ جرح قديم . لكن حتى لو تحققت هذه الوظيفة ، فإن ما يؤلم فيها يُحسب على الألم الأصلي الذي جرى تخفيفه بمطهرات السياسة والنسيان ، ومن سيحكّه جلده منها ويلتهب لن يمرض بل يواصل الحياة .
إن النيّات الأصلية لهذه الصفحة – كما أؤكد لي – هو كتابة تاريخ . في العراق ما زال التاريخ وكتابته يخضعان للاديولوجيا والمصالح السياسية على نحو صارم ، وما تريده هذه الصفحة ليس تحرير التاريخ ، فهذه مهمة اجتماعية تاريخية يقوم بها الناس من أجل مستقبلهم ولمصلحة حياتهم ، بل مجرد تقديم شهادات متنوعة تقترب من الواقعية ، وترفع ما أمكنها أن ترفع من تراكم الصمت والتزييف. إن شهادة واحدة لا تكفي ، لكن الأهم أن يشار هنا الى أن ما يقوله الأحياء في شهاداتهم يجري وهم تحت ضغوط ، وتمارس فيه ذاكرتهم دورا انتخابيا سواء في ما تبقيه أو تحذفه أو تتأمله. فضلا عن ذلك تحدد مواقع أصحاب الشهادات وتدريبهم السياسي والفكري رؤاهم وتستولي على ذلك الجزء الذي يمكن أن نسميه بحصتهم من الحدث. يعني هذا أن الشهادات نسبية، لكن لن نكون مخطئين إذا ما قلنا إنها ذاتية كذلك. 
بالطبع هناك أهداف لنا تقترب مما نعنيه بالعدالة. إن تأخر العدالة ، وهي دائما متأخرة ، تضع مهمات أخرى ذات طابع إنساني على عملية كتابة التاريخ . 
بشتشان قرية جميلة صغيرة ضائعة على سفوح قنديل الشامخ على الحدود العراقية – الايرانية ، لكن هذا الاسم منذ عام 1983 أطلق على مجزرة راح ضحيتها نحو 70 شيوعيا على يد قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة ﻧﻮﺷﻴﺮوان ﻣﺼﻄﻔﯽ أﻣﻴﻦ . هناك الكثير من الأموات ، لكن هناك الكثير من الشهود، بينهم قائد عسكري كردي قاد مؤخرا حركة انشقاق في حزبه ، وقد قدم شهادته في كتاب نأسف لأنه غير متوفر. إزاء ذلك نحن ندرك (لا أن نتفهم) دوافع كردية – شيوعية، في حراسة ذلك الصمت الذي أحاط بالضحايا ، الصمت الذي يحيلنا الى الخنادق النفسية والاختناقات وانفجارات الكبت. 
ما نقدمه مسلسلا هنا شهادة قائد شيوعي كان قريبا من هذا الحدث ، يعيش اليوم في السويد ، وكتابه عنه يعد من المراجع المهمة ، لكن ليس هو المرجع الوحيد ، وقد أدرك أهمية ما أقدم عليه من زاوية واجبه في تبديد الصمت ، من هنا وضع العنوان الشارح الآتي : بين الآلام والصمت!                 
بعد نحو 30 عاما على المجزرة ، وقد اختلف الوضع السياسي على نحو بات فيه الماضي مسحوقا من حاضر ثقيل مليء بالممكنات المخيفة ، لم تعد العودة الى بشتئاشان تشكل مشكلة سياسة ، ولا نزاعا بشأن المسؤوليات. فبعد هذه السنوات يبدو الحدث رواية يضيع فيها كل شخص بأسبابه وبأسباب أقوى منه ومن الجميع . إن الحاضر يغيّر من سلسلة الأولويات ، واولئك الشهود الذين كانوا شبابا لن تحاصرهم الحقيقة ومتطلباته إلا إذا كانوا من طلابها ، بل تحاصرهم ما تبقى لهم من حياة . إن شفقتهم على أنفسهم ، وأحيانا كبرياءهم ، يبقيهم متماسكين.    
إن العودة الى بشتاشان لا تشكل أيضا مشكلة اخلاقية ، فانعدام الاخلاق الحالي المتمثل بالفساد، يغطي الحياة ، وهو مدعوم بتركيب سياسي شيّد له سلطة ، بحيث يبدو كأنه حالات فردية أملتها الظروف. لعل نوشيروان مصطفى يدرك هذا الأمر الآن على نحو آخر بعد أن قرر أن يثور على تقاليد سياسية يعتقد أنها بالية وتنشر الفساد . في كل الأحوال ، ما دام الامر يتعلق بالدم الموزون بمعايير سياسية ، فإن فضّ الاشتباك ما بين السياسي والاخلاقي يمكن استحصاله باعتذار مع ابتسامة مقلقة ، وأخمّن أن هذا تم بين القادة ، أما في بحث معرفي فهو ممكن إما بعد موت الأبطال كلهم ، وإما بوساطة عقل حر لا يعوّل على أي سلطة ولا يخشى النتائج. 
في العراق تقوم السياسة بمراكمة جبال من القسوة والاعتداء والاكاذيب والخوف والهزائم وتهيلها على الاموات والاحياء معا. هناك آلاف الموتى بلا قبور ، جرى قتلهم بلا شهود ، وسوء النية يحيطهم وليست هالات القديسين حتى بعد تغييب طويل. إنه موت آخر ، دفن أعمق ، يختلط فيه التراب بالسفالة البشرية. عندما يُسحق الأحياء يخسر الأموات الكثير من قضاياهم ، يفقدون اللسان الذي يتحدثون به ، فلا تحظى روايتهم بأي فرصة للحديث عن نفسها.
في حياة ضيّقة يدافع فيها الناس عن بديهيات الوجود لن تتوفر الفرص لجمع شهادات متماسكة ومتحررة من تراتبية القادة والجنود ، وسيظل احترام قدسية الحياة الانسانية واحترام العقل مشروعان لا تقر بهما سياسة طائفية وقومية فخورة ومستهترة. الاحياء يعانون من الغدر والاستلاب ، وسنراهم  حيارى حتى وهم يغيرن ولاءاتهم ويمارسون النقد على خجل ، وعلى نحو ما سيعيدون انتاج مزاعم البطرياركية المستمرة التي تأسرهم . في العراق تأسر البطرياركيات المجنونة الاحزاب السياسية . إنها بطرياركيات متفسخة لا تسعى الا الى السلطة حتى لو كانت هذه السلطة تشرف على مراحيض عامة . مثل هذه البطرياركيات لا تدفن الموتى والمغدورين مرة واحدة بل تواصل دفنهم في طبقات من الاكاذيب والتبريرات ، في الوقت الذي تمنع فيها عقول الاحياء من اكتشاف الحقيقة .
كتاب قادر رشيد وقائعي جدا ، وتلك فضيلته وسيئاته معا . من ناحية الفضائل انه مملوء بتفاصيل عديدة ، ومن ناحية السوء أنه يبدو اقرب الى التصور الاداري ، أي أنه لا يفلت من عادات القيادة الحزبية نفسها التي يشكو منها. إن هذه النزعة لا تحلل بعمق بل تواصل مهمة توزيع المسؤوليات ، وتحدد، من موقع شخصي (نفّذ ثم ناقش!) ،اخطاء القيادة الشيوعية. تلك كتابة متوفرة في مذكرات القادة الشيوعيين حتى الاكثر ذكاء ومعرفة نظرية. إن قائدا في المكتب السياسي يبرئ نفسه من المسؤولية ويؤشر الى الأعلى قائلا : تلك إرادة الحزب! 
الأهم من هذا أن السيد قادر رشيد لا يقدم وصفا للحالة التاريخية – السياسية التي جرى على ارضيتها الصراع لكنه يمس نقاطا مهمة فيها .
اليكم صورة عامة : حرب قائمة ما بين العراق وايران ، الكرد يخوضون حرب عصابات ضد الحكومة ، والحكومة تحرق أرض الكرد ، وثمة كرد مع الحكومة ، وكرد ايرانيون مع حكومة بغداد. حكومة طهران ضد بعض الكرد وضد الشيوعيين بالطبع . تسلل من سوريا ومن تركيا ، مهربو أسلحة وسكاير ونقود ومعلبات ومنشورات متضاربة تتحدث عن الخيانة والنصر القريب . ها نحن نتحدث عن حرب ضروس تستخدم فيها أشرس الاسلحة، ويشكل فيها التآمر والدسائس والدناءات بين القوميات والاقليات والطوائف والاحزاب الزاد اليومي. فأين موقع الشيوعيين في هذه المعركة الغريبة غير أن يكونوا (غراب البين) فيها؟
هل هذا هو السر في اختيار بشتاشان البعيدة المقصية لكي تكون مركزا للقيادة – وهو اختيار خاطئ كما يرى قادر رشيد؟ إنه لا يحلل هذا الاختيار بمعناه السياسي والسيكولوجي . من ينفّذ لا يحلل ، وسيقف في ما بعد على شرفة زمنية، وعلى أرض السويد ، ليؤكد أن اختيار المكان خاطئ لأسباب لوجستية وجغرافية ، وستكون حصة السياسي منها مندمجة بخصائص القادة الآمرين من حيث الطيش والتعالي والبيروقراطية.  
لا يذهب كتاب (بشتئاشان : الآلام والصمت) الى تاريخ أقدم بالتفصيل ، أي الى تجربة الجبهة الوطنية الفاشلة مع البعثيين ، بالرغم من أن هذه التجربة مارست ضغطا سيكولوجيا على الحزب وحددت استجاباته اللاحقة. لعله لا يريد الخروج عن قضية بشتاشان ، فقضيته هناك ، في حين ان مأزق الحزب يتوزع على جسد كبير من الاحداث والسياسات . بعد تقويم سريع لفشل التحالف مع البعثيين ، قام نفس القادة تحت ضغط القاعدة بقيادة الكفاح المسلح . هل كانوا يعوضون عن إخفاقهم القديم؟ لقد أرادوا استبدال جلدهم اليميني بجلد يساري ، هكذا بضربة عصا سحرية ، ومن دون إعداد كاف ذهبوا الى حرب معقدة ينام فيها الجواسيس والوشاة والاعداء مع المقاتلين جنبا الى جنب ، حرب معقدة تحتاج الى عقول معقدة وليس الى عقول ستالينية مسطحة لا يتجاوز تدريبها اللفظيات الماركسية.
إن الدوافع السيكولوجية تشتغل بقوة عندما يتصارع الكبرياء والشك والفشل ، لكن ليس هناك مكان للسيكولوجيا في الادب السياسي العراقي للاسف .   
يناقش المؤلف سياسة الحزب وإخفاقه ولا يتوقف طويلا بتحليل السياسة الكردية الشوفينية ، كما لو كان هذا تحصيل حاصل .. وهذا الموقف ليس غريبا عن القيادات الشيوعية العراقية التي تحلل سياسات الخصم بألفاظ عامة لا تحتكم فيها للزمن بل للمبادئ ، في حين تقترب من التفاصيل عندما يتعلق بسلوك هذا الرفيق أو ذاك - اقتراب لا يخلو من دسائس . تلك هي في الحقيقة النزعة الادارية القائمة على ضبط البيت الداخلي ، ستالينية هدفها القبض على التنظيم والرؤوس ، في حين أنها تستخدم العلم الماركسي الموجود في الكتب لتحلل فيه ما يجري خارج عائلة الحزب، فلا هي تضبط الداخل بل تخربه ، ولا هي تفهم الخارج الذي يخترقها ويفككها.  
       
قبر لأموات بشتاشان!

هذه هي الحلقة الاخيرة من كتاب (بشتئاشان بين الالام والصمت) لقادر رشيد . وكما توقعنا في تقديمنا الاول للكتاب ، لا أحد مات ، ولا أحد سيموت لأنه عرف ما كان مخفيا ، ولا أحد وخزه قلبه . لقد مرّ الزمن ، وبات الناس يعيشون في وطيس مشهد سياسي جديد مليء بالموتى ، والدخان ، والتفاهة ، والنذالة ، وفقدان الأمن ، وسعار النجاح ، وإفساد الضمائر . من يبالي بسبعين شيوعيا قتلهم حليف في زمن منسي؟ الشيوعيون الذين اعتادوا الانحناء ، وقادر رشيد يقدم صورة وافية عن قادتهم اللامبالين الكسولين ، يمتلكون إجابة واحدة منذ أن باتوا ضعافا : ليس هذا أوانه!
ليس هذا أوان فتح القبور ، وفتح الملفات ، وفتح الجروح .
متى إذن؟
السياسة على الطريقة العراقية لا تأذن لأحد الا بعد أن تتفحصه وتشق صدره ، وهي تميل الى التأجيل الى حين يصبح الضحايا والجلادين على ذمة التاريخ ، وعلى ذمة ملف منسي يجري فقدانه منهجيا من قبل أحياء يصارعون أنفسهم وأمواتهم الأقوياء.  
القبور لا تتحدث ، فكيف وهي قبور بلا شواهد؟ اقتراحات قادر رشيد الاخيرة هي مساهمة في أن نجدها ونتفحصها ونضع لها شاهدا ، وليكن واحدا فقط ، يشير الى أن من وقَعَ صريعا هنا هم ضحايا معركة غير متكافئة ، ولا عادلة .
في جبل قنديل الشامخ طبيعة لا يمكن ترويضها بالسياسة وحماقاتها ، لقد رفعت الربايا المتقاتلة الآن ، وحل الصمت الخالد للصخور والقمم والوديان . إن قبرا لاولئك البؤساء لن يجعل أرض كردستان تصبح شيوعية ، ولن يجعلها تتحدث بغير لغتها الكردية لمجرد أن عظاما بغدادية ونجفية وبصرية رقدت في ثراها ، لمجرد أن مئات الجنود العراقيين البؤساء صرعوا عليها في حرب عبثية . لم تعد تلك القبور الضائعة من حصة أحد ، بل من حصة الزمن ، وحصة هذا البائس الذي ندعوه بالوطن.. هكذا بلا تحديد سياسي، بلا فكرة مهيمنة ، بل ذكرى ارض ورجال ونساء واطفال واولاد وبنات ومدارس وبساتين وسفرات طلابية ودجلة وفرات وأهوار وشمس وظلال .. هذه الذكرى العطرة للقائنا الحميم بالحياة أو لارتطامنا بها بقوة.    
أدرك أن الوطن هو نوع من تعريف سياسي ، لكن لما كنا بلا مواطنية ، أي بلا تعريف حقوقي  ، فعلينا إذا لم نستطع أن نكون أحرارا ، وبناة وطن يمنح المواطنية للمواليد الجدد بمجرد أن يولدوا ، أن نحذر من أن نصبح  نوعا من الاموات الأحياء . لننتزع تلك العناصر التاريخية التي تجعل منا أجسادا مستقلة من اولئك الاوغاد الذين حددوا الوطن بالسياسة وحدها ، وراحوا يعربدون عليها ويخونوها من أجل سيارات الدفع الرباعي ، حتى لو فعلنا ذلك متأخرين. 
في أقل المطالب رومانسية ، حتى في الخنوع ، وانعدام الكرامة ، علينا أن ننتزع من اولئك الأوغاد الحق بوجود قبور لنا ، تعلوها شواهد تحفر عليها اسماءنا واسماء آباءنا وأجدادنا .. إنها أرض استقلالنا المتبقي ، الثرى المتنافذ بآبسو ، حيث الطريق الذي يفضي الى ملوك سومر الغامضين ، وبكاوا الحداد ، وبأطباء بابل ومنجميها ومتعبديها ، بكلكامش الذي اكتشف القشرة الخفيفة للجنس البشري المتألم : لا أحد يبقى!  
إن قبرا بشاهد هو نوع من العودة بالاموات الى تاريخية صغيرة تشبه البرعم .. تشبه دمعة أم .